محمد بن جرير الطبري
27
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خربها بختنصر ، فخرج منها إلى مصر فكان بها ، فأوحى الله إليه أن اخرج منها إلى بيت المقدس . فأتاها فإذا هي خربة ، فنظر إليها فقال : أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه ، فإذا حماره حي قائم على رباطه ، وإذا طعامه سل عنب وسل تين لم يتغير عن حاله . قال يونس : قال لنا سالم الخواص : كان طعامه وشرابه سل عنب وسل تين وزق عصير . وقال آخرون : معنى ذلك : لم ينتن . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ لم ينتن . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال مجاهد قوله : إِلى طَعامِكَ قال : سل تين ، وَشَرابِكَ دن خمر ، لَمْ يَتَسَنَّهْ يقول : لم ينتن . وأحسب أن مجاهدا والربيع ومن قال في ذلك بقولهما رأوا أن قوله : لَمْ يَتَسَنَّهْ من قول الله تعالى ذكره : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ بمعنى المتغير الريح بالنتن من قول القائل : تسنن . وقد بينت الدلالة فيما مضى على أن ذلك ليس كذلك . فإن ظن ظان أنه من الآسن من قول القائل : أسن هذا الماء يأسن أسنا ، كما قال الله تعالى ذكره : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ فإنه ذلك لو كان كذلك لكان الكلام : فانطر إلى طعامك وشرابك لم يتأسن ، ولم يكن يتسنه . فإنه منه ، غير أنه ترك همزة ، قيل : فإنه وإن ترك همزه فغير جائز تشديد نونه ، لأَن النون غير مشددة ، وهي في يتسنه مشددة ، ولو نطق من يتأسن بترك الهمزة لقيل يتسن بتخفيف نونه بغير هاء تلحق فيه ، ففي ذلك بيان واضح أنه غير جائز أن يكون من الأَسن . القول في تأويل قوله تعالى : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ فقال بعضهم : معنى ذلك : وانظر إلى إحيائي حمارك ، وإلى عظامه كيف أنشزها ثم أكسوها لحما . ثم اختلف متأولو ذلك هذا التأويل ، فقال بعضهم : قال الله تعالى ذكره ذلك له بعد أن أحياه خلقا سويا ، ثم أراد أن يحيي حماره ؛ تعريفا منه تعالى ذكره له كيفية إحيائه القرية التي رآها خاوية على عروشها ، فقال : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها مستنكرا إحياء الله إياها . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ، قال : بعثه الله فقال : كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إلى قوله : ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً قال : فنظر إلى حماره يتصل بعض إلى بعض ، وقد كان مات معه بالعروق والعصب ، ثم كسا ذلك منه اللحم حتى استوى ثم جرى فيه الروح ، فقام ينهق . ونظر إلى عصيره وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير . فلما عاين من قدرة الله ما عاين ، قال : أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : ثم إن الله أحيا عزيرا ، فقال : كم لبثت ؟ قال : لبثت يوما أو بعض يوم . قال : بل لبثت مائة عام ، فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ، وانظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، وانظر إلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما . فبعث الله ريحا ، فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع ، فاجتمعت ، فركب بعضها في بعض وهو ينظر ، فصار حمارا من عظام ليس له لحم ولا دم . ثم إن الله كسا العظام لحما ودما ، فقام حمارا من لحم ودم وليس فيه روح . ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار ، فنفخ فيه فنهق الحمار ، فقال : أعلم أنه الله على كل شيء قدير . فتأويل الكلام على ما تأوله قائل هذا القول فقال بعضهم : قال الله تعالى ذكره ذلك له : وانظر إلى إحيائنا حمارك ، وإلى عظامه كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ، ولنجعلك آية للناس . فيكون في قوله : وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ متروك من الكلام ، استغني بدلالة ظاهره عليه من ذكره ، وتكون الأَلف واللام في قوله : وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ بدلا من